top of page

تاريخ النقد العراقي واختيار السياسات النقدية

  • alghezinaji
  • ٤ نوفمبر ٢٠٢١
  • 5 دقائق قراءة

عصام سالم


توج فيصل بن الحسين (فيصل الأول) ملكا على العراق و التي رسمت حدوده بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى بعد ان كانت أراضيه ضمن الإمبراطورية العثمانية لمدة ستة قرون فارتبط اقصاد هذه البقعة باقتصاديات هذه الإمبراطورية التي ترهلت كثيرا و أصابها الفساد و سوء الإدارة و شراء المناصب الذي انعكس بالمباشر على الحالة الاقتصادية للمواطن و خوصا اخر أيام تلك الإمبراطورية,حيث كان سكان ارض العراق حسب إحصائية قبل 1920 هو اقل من ثلاثة ملايين نسمة و هم يتعاملون بالعملات العثمانية الذهبية و الفضية و النحاسية إضافة الى العملات الورقية التي فقدت معظم قيمتها مع انهاء النفوذ للإمبراطورية العثمانية في المنطقة ,لقد ادخل البريطانيون العملة البريطانية ومن الباوند الإنكليزي الذهبي و الربية الهندية التي كانت تسك للتداول في تلك المناطق و من اهم اجزائها (الانه) التي عرفت لاحقا ب(العانة) في العملة العراقية.

ان ترتيب الاحداث مهم و ضروري لفهم كيفية انشاء النقد العراقي و كيف تم اعتماده.

لقد اعتمد البريطانيون سياسة نقدية ترتبط باقتصاد المملكة و جميع الأراضي التي كانت تحت جناحها سياسيا و اقتصاديا فهي المسؤولة عن اعتماد الميزانية و تقديرها لكل بلد و من ضمنها العراق الذي كان لدية تخصيص مالي من بريطانيا و كان يقدر بالربية الهندية الى ان تم تأسيس مجلس العملة العراقي بعد انتهاء الانتداب البريطاني عام 1931 حيث صدر قانون 44 لسنة 1931 ينص على ان الدينار العراقي مساو في قيمته الى الجنيه الإسترليني (الباوند الإنكليزي), و في 16اذار 1932 صدرت اول عملة عراقية تحمل مسمى (المملكة العراقية) على القطع المعدنية و (الحكومة العراقية) للأوراق النقدية و قد تحدد اسم الفلس أساسا للعملة كأصغر فئة و الدينار الذي كان يعادل (1000فلس) و ان اول طبعة كانت تبدأ(من 1 فلس و 2 فلس و 4 فلس و 10 فلس و 20 فلس و 50 فلس و 200 فلس) هذه الفئات للقطع المعدنية و تم طبع (600 الف دينار منها في اصدار عام 1931)و اما الفئات الورقية(ربع دينار و نصف دينار و دينار واحد و خمسة دنانير و عشرة دنانير و مائة دينار)و كانت مجموعها ثلاثة ملايين دينارعراقي قابل للتحويل الى الليرات الذهبية البريطانية علما ان الليرة البريطانية كان وزنها (7.2 غرام عيار 0.916 أي ما يعرف عيار 22) و بهذا اصبح للعراق عملة وطنية معترف بها و لها غطاء حقيقي و تحمل صور الملك فيصل الأول على اليمين و قد تم التوقيع على العملة العراقية من قبل رئيس مجلس العملة السير هيلتون يونك البريطاني الجنسية و نائبه جعفر العسكري عراقي ... اما كيفية تقدير هذه الميزانية و التي جاءت متوافقة للاقتصاد العام في المنطقة, فق تم تبديل (واحد ربية) بما يعادل (75 فلس) عراقي جديد و بهذا انتقل تدريجا سكان العراق من العملات المختلفة الى العملة العراقية الموحدة و التي رسمت اول سياسة نقدية للتداول في البلد و على أساسها بدأ الاقتصاد الداخلي يأخذ شكله و تكامله مع الدول المحيطة به.

ان اول ميزانية كانت تمثل (70%) من القيمة الحقيقية المقدرة و هي (ثلاثة ملايين و ستمائة الف دينار) عام 1932, و سرعان ما بدأت الميزانية العراقية تترسخ من جميع جوانبها و ذلك بسبب ربط السياسة النقدية مع الجنية الإسترليني و المدخولات الحقيقية التي بدأ تتطور مع بناء مؤسسات مهمة مرتبطة بحركة الوزارات و علمها و المؤسسات الرقابية كديوان الرقابة المالية إضافة الى الارتباط الإداري و الفني مع بريطانيا و تأهيل كوادر استطاعت فيما بعد رسم سياسات نقدية ثابتة و مستقرة و ليس هذا فقط انما اتجهت الى توسيع الخزين و الاحتياطيات من الذهب و التجارة و الموارد. و من الجدير بالذكر ان ميزانية العراق عام 1939 أي بعد سبع سنوات من اول ميزانية عراقية حقيقية كانت (أربعة ملايين و خمسمائة الف دينار) أي بنمو قدره تسعمائة الف دينار و أصبحت عام 1945 أي بعد ستة سنوات (خمسة و أربعون مليون دينار عراقي) أي تضاعفت عشرة اضعاف بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية و هو مؤشر على ان الحكومة البريطانية كانت تشتري من العراق جميع المنتجات بمبالغ نقدية و لم تأخذ منتجاته كأستثمار او بدون ضوابط ..

لقد قررت الحكومة البريطانية التخلي عن قاعدة الذهب و فك الارتباط به مما أدى بالحكومة العراقية تصحيح مسار النقد فبعدما كان الدينار العراقي يساوي واحد باوند إنكليزي اصبح يساوي (2 باوند إنكليزي) و لم يفك ارتباطه بقاعدة الذهب مما أدى الى إرساء قوة إضافية للدينار العراقي, و لكن هذا الموضوع كان لابد ان يدخل تصحيحا قانونيا لان فك الارتباط بين الدينار العراق و الباوند الإنكليزي أدى الى انهاء مجلس العملة العراقي الذي تأسس عام 1931 و انتهى عام 1947 و تم تشريع قانون جديد في 20 تموز سنة 1947 ذي الرقم 43 لسنة 1947 الذي تأسس بموجبه المصرف الوطني العراقي و حول جميع صلاحيات مجلس العملة العراقي فاصبح مسؤولا عن كل شؤون العملة في العراق و في 17 أيلول 1950صدرت الطبعة الأولى من العملة العراقية تحت مسمى (المصرف الوطني العراقي), حيث كانت الفئات المعدنية( 1 فلس 2 فلس 4 فلس 10 فلس 20 فلس 50 فلس 100 فلس )و الأوراق النقدية (ربع دينار و نصف دينار و دينار واحد و خمسة دنانير و عشرة دنانير) و من الملاحظ تم الغاء طبع (200 فلس) وفئة (مائة دينار).

و في 1 تموز عام 1956 تم اصدار قانون 72 لعام 1956 و الذي غير اسم المصرف الوطني الى البنك المركزي العراقي و تم اصدار اخر طبعة من العملات الملكية التي تحمل صورة الملك فيصل الثاني. لقد اتسمت هذه الفترة من تأسيس مجلس العملة العراقي الى فترة نهاية المملكة العراقية في تموز عام 1958 بالاستقرار النقدي و سعة الميزانية و قوة العملة العراقية في العالم وغطائها الحقيقي رغم دخول النفط كجزء من الميزانية لكن السياسة النقدية و المدخرات كانت في تنامي مستمر بالإضافة الى السياسي المتوازنة في توسيع الحركة الاقتصادية في البلد و كانت هذه الفترة يتم بناء المزانية بصورة متكاملة و ليست ريعية و لا تعتمد على مصدر واحد او مصادر بسيطة انما كانت تعتمد على سياقات و أسس متميزة من تنوع المدخولات.

لقد شهدت المرحلة الثانية وهي مرحلة تحول العراق من نظام المملكة الى النظام الجمهوري تخبطات و اجتهادات أدت الى بداية العشوائية و التخلي الجزئي عن الدقة في تقييم الواقع النقدي و سياسة إدارة السياسة النقدية فمن اهم التخبطات هو حل مجلس الاعمار و تحويل مدخراته الى الدينار العراقي و ضخها في الداخل مما شهد انتعاشا و هميا لدى الناس منها زيادة الرواتب و توقف معظم المشاريع المنظمة أي اتجاه السياسة النقدية من الاستثمار في البنى التحتية الى توسيع قاعدة الصرف الشخصي و الذي القى بظلاله في تخبطات لاحقة نتيجة تأكل الكفاءات و ظهور تقاطع مع النظام الساسي الذي جرد القطاع الخاص من عمله و دوره المهم في انعاش الاقتصاد العراقي الى الاشتراكية المترهلة ظناً من ان هذه السياسة تلبي طموح البلد و لكن أدى الى هروب الكثير من رؤوس الأموال و أصحاب الشركات و الايدي العاملة الماهرة و إضافة ترهلات على القطاع العام الذي لم يحقق سوى خسائر ممتالية عبر زمن ليس بالقصير و ان ما حققته الساسة النقدية من مكاسب عبر ازمنة طويلة استنزفت بشكل منظم حتى وصول بداية الانهيارت مع الحرب العراقية الإيرانية .

لقد استنزف العراق بشكل مطرد مدخرات الدولة التي بدأت منذ عام 1931 الى الانهيار شبه التام عام 2003 وهنا بدأت المرحلة الثالثة والمستمرة الى يومنا هذا في سياسة نقدية تخبطية غير متوازنة ولا تنسجم مع القفزات والافاق العمية في السياسات النقدية وبناء الميزانية و التوجه نحو مواكبة مدارس مهمة في العالم كالاقتصاد الصيني و الاقتصاد الألماني الذي تبنى اليورو و الاقتصاد الأمريكي الي يتبنى التويم الكامل للدولار ...

ان ما نريد ان نصل اليه ان الجهود التي انفقت من خلال شخصيات مهمة في هذا البلد و التي ساهمت بشكل مباشر في التخطيط لسياسات نقدية ثابتة و متوازنة مع دعم مدخرات المواطن و الوطن على حد سواء ذهبت في فترة من الزمن في مهب الريح ونحن لا نتعكز بالكامل على التخبطات السياسية انما غياب مؤسسات مهمة او تغييب دورها في إدارة السياسة النقدية بما يمكن السياسيين من التفكير بصيغة جيدة و منطقية لا تؤثر على المواطن في جميع تفاصيلة و تحقق له استقرارا نقديا في التداول و المدخر و الأفق .لقد سعت الدول القوية في حالات معينة كالحروب و الكوارث ان تحافظ على السياسة النقدية و تدفع بمؤسسات بحثية مهمة للخروج من ازماتها .

Comments


القائمة البريدية

اشترك في النشرة الإخبارية معنا

شكرا للاشتراك معنا

logo4.png

مؤسسة الزوراء للتطوير الاقتصادي تعنى بالشؤون الاقتصادية العراقية. تأسست نتيجة للاهمال الحاصل في المنظومة الاقتصادية العراقية وتعطيل القطاعات الانتاجية المهمة كالقطاع الزراعي والصناعي والسياحي  وجاءت لتهتم بتطوير السياسات الاقتصادية في العراق, بهدف تقديم الخطط والمشاريع التي تساهم في تعظيم الموارد الاقتصادية وذلك من خلال تقديم الدراسات والبحوث والمؤتمرات والورش والندوات التي تساهم في رصد وتحليل التحديات التي تواجه القطاع العام والخاص، ووضع الحلول لمواجهتها.

  • telegram
  • White Facebook Icon

Copyright © 2022 alzawraforum.com - All rights reserved

bottom of page